نرصد مدون ترصد فقط
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 في وداع حسين الأمير

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
جعفر الخابوري
Admin
avatar

المساهمات : 77
تاريخ التسجيل : 25/09/2011

مُساهمةموضوع: في وداع حسين الأمير    الخميس سبتمبر 29, 2011 10:11 am

في وداع حسين الأمير

في بداية هذا الأسبوع كتبت أرثي شيخاً وطنياً في السبعين من قلالي بجزيرة المحرق، واليوم أكتب راثياً شاباً في الخامسة والثلاثين من البلاد القديم بجزيرة البحرين.
حضرت جنازة الأخير (حسين الأمير) قبل أربعين يوماً، واليوم أتحدث عن جوانب من شخصيته، ففيها عبرة ودرس للجيل الجديد. فقد وُلد كفيفاً، وعاش حياةً صعبةً، وتكفّلت أمّه برعايته وأخيه وأختين أخريين، درسوا حتى بلغوا الجامعة طلاباً ومدرّسين.
عرفته قبل سنوات من خلال المؤتمرات الخاصة بذوي الإعاقة في البحرين والخليج، وصحبته العام الماضي في مؤتمر بالدمام، وكنت أرى بشاشته فأتفكّر كيف يعوّض الله عباده الذين يعيشون في ظلام دائم. كان صاحب رسالة يريد أن يوصلها للجميع: نحن قادرون، ونريد أن نشارك في الحياة كالآخرين.
لم تمنعه إعاقته البصرية من القراءة والاطلاع، وكان يمثل نموذجاً محفّزاً لزملائه المبصرين في الجامعة على الاجتهاد. وكان يكتب مقالات للصحف أيضاً. وحين زرت جمعية الصداقة للمكفوفين قبل أربعة أعوام، كنت شغوفاً بمعرفة كيفية كتابتهم وتواصلهم عبر الأجهزة الحديثة.
كان يبعث بأخبار الجمعية عبر البريد الالكتروني لنشرها، وفي كلّ مرة أستغل الفرصة لأسمع صوته الدافئ. وفي إحدى المرات شكا من عدم قدرتهم على قراءة كل ما تنشره «الوسط»، فأوصلت الشكوى لقسم تقنية المعلومات. وذات مرة فاجأته قائلاً: سأبعث لك بما كتبته عن جدتك في «روافد من بلادي»! خمّنت أن ذلك سيثير شهيته للقراءة. بعثت له الفصل الخاص بـ «نساء من القرية»، وقصة «بنت علي وأم علوان»، وهما شخصيتان حفرت صورهما في أعماق نفسي. اتصل ليقول إنه لم يتمكن من قراءتها لأنها بطريقة الصفحات المصورة، وطلب إرسال النص. أرسلت النص، وخلال ساعة ردّ علي بالايميل: «شكراً لك فقد وصل الجزء وقرأته وأطمع في الكتاب كاملاً. جميل كلامك عن جدتي، فلم أكن أعرف ذلك من قبل». كان ذلك عصر الأربعاء (26 مايو/ أيار 2010).
كنت قد كتبت عن جدته: «هي صورة نموذجية للمرأة الكادحة الصبورة. أظنها تزوّجت في سن صغيرة برجل كبير في السن، فلم أر زوجها إلاّ مرة واحدة في حياتي، حين دخلت يوماً بيتها القديم المبني من الطين، وبالصدفة دلفت إلى غرفة مظلمة، فوقعت عيني على رجل طاعن في السن، لحيته بيضاء، ممدداً على الفراش. عرفت حينها انه زوجها المقعد منذ سنوات». من المؤكد انه لم يبصر ذلك المنظر المهيب.
كان لديه برنامجٌ الكتروني يحوّل النص إلى لغة منطوقة، وكانت هذه طريقته للكتابة والقراءة والتواصل مع الآخرين. ولم يمض يومٌ واحدٌ حتى كتب لي أنه أتمّ الكتاب. من عرفوه عن قرب يؤكدون انه كان شغوفاً بالقراءة.
كانت جدته العجوز أم علوان تداعب صاحبتها يوماً قائلةً: «يا بنت علي، إذا استخارك الله لجواره فزوريني في المنام لتخبريني بما حدث لك بعد الموت». فقالت العجوز الضريرة: «الله لا يقوله، بعد عمر طويل»!
لقد مضت العجوزان إلى سبيل ربهما في منتصف السبعينيات، في الفترة التي وُلد فيها حفيدٌ، التحق بهما بعد خمسة وثلاثين عاماً. لقد عاد الطفل المرحوم إلى حضن أمه، وعاد التراب إلى التراب


قاسم حسين

صحيفة الوسط البحرينية - العدد 3309 - الخميس 29 سبتمبر 2011م الموافق 01 ذي القعدة 1432هـ
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://kjdurry.ba7r.org
 
في وداع حسين الأمير
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
مدونة دوار 18 مدينة حمد :: كشكول جعفر الخابوري الا سبوعيه-
انتقل الى: